الثلاثاء، 10 فبراير 2015

تطور المفهوم النحوي في النظرية النحوية العربية، البناء للمفعول أنموذجا: الجزء الأول


تلخيص: تقوم هذه المحاولة على قراءة تاريخية لتطور مفهوم البناء للمفعول في النظرية النحوية العربية بناء على وقوفنا على افتقار الدراسات النحوية العربية الحديثة او اللسانية العربية في هذا المجال مما عكس معضلة معجمية كبيرة يفتقد فيها الدارس إلى معرفة فترة استقرار استعمال المفهوم، مما قد يؤثر طردا في مجالات كثيرة كفقه اللقة والدراسات الثقافية او الانتروبولوجية الثقافية التي تتبع تطور استعمال الكلمة بناء على أن دخول مفاهيم جديدة واندثار أخرى مرتبط بالحركية العلمية والادبية التي تعيشها منطقة معية.

   توصلنا في المحاولة إلى نتائج منها أن تداخل تاريخية استعمال المفهوم التي نعيشها حاليا في اللسانيات ومجمل العلوم الأخرى تعود إلى عدم الاكتراث بتطور المفهوم إذ يقلب الذوق على طريقة اختيار التسمية، وعلى أن عملية البناء للمفعول غير مرتبطة بالعملية التحويلية التي تطرأ على الفعل صيغة والتركيب ارتقاء وحذفا،و إنما تتعلق أيضا بالصيغة الإعرابية الدلالية للفعل باعتبار أن مجمل الافعال اللازمة لا يمكن أن نعتبر مرفوعها فاعلا منفذيا أو فاعلا إعرابيا دلاليا او فاعلا يستوفي حزمة السمات الإعرابية الدلالية التي تشكل الفاعلية أو الفاعل المتمكن حسب مصطلحات سيبويه.


I - المقدمة
   تعتبر ظاهرة المصطلح مسألة شائكة لما تكتنفه من خصائص حاول النحاة والمناطقة سبرها قديما وحديثا، عبر التسلسل السنكروني للعلوم، للبحث عن ضوابط تعدّد معايير وسم المفاهيم والمتصورات للتعبير عن الظواهر المدروسة. وقد بدأ النحاة العرب بالبحث "في المصطلح النحوي للسعي إلى تأريخ ظهوره وتبلور مفهومه الفني وتأرجحه بين أكثر من مفهوم" ولكن ذلك اصطدم "بنفس المصاعب التي تعترض سبيل البحث في نشأة النحو وتكون مادته وتطوّرها" (عبد القادرالمهيري 1986: 477). وإذا كانت دراستنا هذه تستدعي تجاوز معضلة المصطلح النحوي باعتبار أنّ فترة المخاض في التفكير النحوي حسب المهيري سابقة على سيبويه، فإنّ غياب مستندات كافية لدراسة تاريخية المصطلح النحوي، ونقصد هنا "البناء للمفعول" أو "البناء للمجهول" تكوّن معضلة أخرى.
   لقد بدأ وعي النحاة منذ القديم بأهمية المصطلح في الدراسة النحوية، تجلّى ذلك في محاولات تعريفه في المؤلفات النحوية إلى حدود كتاب التعريفات للجرجاني، من خلال جدولة خصوصياته واستنباط " سماته المميزة" بالمقارنة والقياس وحمل الفروع على الأصول أو الاشتقاق. ويبدو أنّ القضيتين الأساسيتين اللتين حكمتا دراسة المبني للمفعول، هما كونه بنية أصلية ، من جهة، أوبنية فرعية تحويلية يرتقي فيها المفعول إلى محل الفاعلية، من حهة أخرى، بما أن محلّ الفاعل لا يمكن أن يبقى شاغرا من الناحية الإعرابية التركيبية. فيحلّ المفعول محله في الظاهرة المدروسة دون أن يتعرّى من سماته الدلالية التي تسمه بدور المتحمّل Patient وتسلب منه دلالة المنفذية Agentivité لعلل نحوية تُبقي الفروع متميزة عن الأصول رغم حلولها محلها.
   إن موضوعنا هذا لا يعتمد الغوص في دراسة الأبنية الإعرابية الدلالية وإنّما من أجل الوقوف على الخصوصيات أو السمات التي جعلت هذا النحوي أو ذاك يسم الظاهرة بـ "س" أو "ص" بما أنّ بحثنا يروم دراسة الجهاز المصطلحي لظاهرة البناء للمفعول لتوضيح سيرورة هذه الظاهرة وتاريخيتها، من الناحية الإعرابية التركيبية. نشير إلى أنّ التسلسل الزمني التاريخي مفقود بين المؤلفات النحوية "فما ضاع من كتب النحاة في مراحل متعاقبة أكثر مما وصلنا" (قريرة (2003: 12)، مع أنّ كتب الشروح[1] قد حفظت مصطلحات الكتب المشروحة المفقودة. هذا إذا ما اعتبرنا "أنّ الوثائق التي يمكن أن تكون شاهدة على فترة المخاض وممثلة للخطوات الأولى للتأليف النحوي لم يبق لنا منها شيء بل إنّ أثرها قد امّحى في فترة مبكرة، وانعدام الوثائق يمثل عقبة في سبيل تتبع المصطلحات والوقوف على سيرورتها مرورا بالاستعمال المجازي ووصولا إلى تكريس المصطلح" (المهيري (1989: 478)
   إنّ هذه العوائق وغيرها ترغم الدارس على توخي منهج يكون ردفا للمنهج التاريخي. ولذلك سنعتبر السياق النحوي بقدر المستطاع لتحديد مقاصد النحويين واعتباراتهم لمختلف التسميات التصورية والاصطلاحية الدالة على مفهوم البناء للمفعول باعتباره اختزالا للجملة أو تحويرا لها أو باعتبار بنية أصلية للتعبير عن دلالات مربوطة بمقامات معينة عددها السيوطي عندما ذكر أنّ الفاعل "يحذف ... لغرض، كعلم وجهل وضعة ورفعة وخوف وإبهام ووزن وسجع وإيجاز" (السيوطي (1997: 518).
فما هي هذه المصطلحات التي ذكرها النحاة للتعبير عن الظاهرة؟ وما هي المعايير والخلفيات النظرية التي وضعوها من خلالها؟

II- الثبت الاصطلاحي لإجراء مفهوم البناء للمفعول في أهم المؤلفات النحوية 
   نشير في مستهل جدولتنا للمفاهيم المستعملة لتأدية مصطلح البناء للمفعول أننا سنعتمد طريقة تسند لكل مفهوم رقما يحدده؛ وإذا ما تكرر المفهوم في استعمال النحاة سيتكرر الرقم ضرورة.
المؤلِّف
المؤلَّف
المصطلح
السياق الذي ورد فيه المصطلح
الصفحة
تاريخ صدور ك
سيبويه
الكتاب، الجزء الأول
1- المفعول الذي لم يتعدّ إليه فعل فاعل ولم يتعدّه فعله إلى مفعول آخر

2- المفعول الذي لم يتعدّه فعله ولم يتعدّ إليه فعل فاعل

3- المفعول الذي تعداه فعله إلى مفعول
المفعول الذي لم يتعدّ إليه فعل فاعل ولم يتعدّه فعله إلى مفعول آخر، والفاعل والمفعول في هذا سواء، يُرفع المفعول كما يُرفع الفاعل لأنّك لم تُشغّل الفعل بغيره وفرّغته له، كما فعلت ذلك في الفاعل.... والمفعول الذي لم يتعده فعله ولم يتعدّ إليه فعل فاعل فقولك ضُرِب زيد ويُضرب عمرو ... فجميع ما تعدّى إليه فعل الفاعل الذي لا يتعداه فعله إلى مفعول يتعدى إليه فعل المفعول الذي لا يتعداه فعله"

هذا باب المفعول الذي يتعداه فعله إلى مفعول وذلك قولك: كُسي عبدُ الله الثوب، وأُعطي عبد الله المال.
(33-42)
180هـ
المبرّد
المقتضب الجزء الأول
4- المفعول الذي لا يذكر فاعله
"هذا باب المفعول الذي لا يذكر فاعله وهو رفع نحو قولك ضُرِب زيد ... وإنّما كان رفعا وحدّ المفعول أن يكون نصبا لأنّك حذفت الفاعل ولا بدّ لكل فعل من فاعل لأنه لا يكون فعل ولا فاعل ... فلما لم يكن لفعل بدّ من. وكنت ههنا قد حذفته أقمت المفعول مقامه ليصبح الفعل بمقام فاعله"
(50)
285/286هـ
ابن السرّاج
الأصول الجزء الأول
5- المفعول الذي لم يسم من فعل به

6- فعل بُني للمجهول

7- لم يذكر من فعل به

8- المبني على فعل بُني للمفعول

9- لم تذكر من فعل به
"شرح الرابع من الأسماء المرتفعة وهو المفعول الذي لم يسم من فعل به إذا كان الاسم مبنيا على فعل بُني للمجهول ولم يذكر من فعل به فهو رفع وذلك قولك ضُرب بكر ... فبني الفعل للمفعول على فُعل ... وارتفاع المفعول بالفعل الذي تحدثت به عنه كارتفاع الفاعل إذا كان الكلام لا يتم إلاّ به ولا يستغنى دونه ولذلك قلت: إذا كان مبنيا على فعل بُني للمفعول أردت به ما أردت في الفاعل من أنّ الكلام لا يتم إلاّ به وقلت ولم تذكر من فعل به لأنك لو ذكرت الفاعل ما كان المفعول إلاّ نصبا وإنّما ارتفع لما زال الفاعل وقام مقامه"
(76-77
316 هـ

الموجز
10الذي لم يسم من فعل به
"والرابع الذي لم يسم من فعل به وبُني فعل خُصّ به"
(30)
316 هـ
الزجاجي
الإيضاح في علل النحو
11- ما لم يسم فاعله

12- المفعول ناب منابه
"... إنّ الأسماء لما كانت تعتورها المعاني فتكون فاعلة ومفعولة ومضافا ومضافا إليها ، ولم تكن في صورتها وأبنيتها أدلة على هذه المعاني بل كانت مشتركة جُعلت حركات الإعراب فيها تنبئ عن هذه المعاني فقالوا: ضرب زيد عمرا فدلّوا برفع زيد على أنّ الفعل له، وبلفظ عمرو على أنّ الفعل واقع به. وقالوا ضُرب زيد فدلوا بتغيير أول الفعل ورفع زيد على أنّ الفعل ما لم يسم فاعله وأنّ المفعول ناب منابه.
(69)
340 هـ
الفارسي
الإيضاح[2]
13- المبني للفاعل
14- الفعل المبني للمفعول به
"... فعرفت وأكرمت مبني للفاعل، وإن بنيته للمفعول به قلت أُكرم زيد وعُرف خالد[3]"


ابن جنّي
سرّ صناعة الإعراب الجزء الأول
11- ما لم يسم فاعله
"قضى النحويون على موضع الجار والمجرور إذا أُسند الفعل إليهما بأنهما في موضع رفع ... وكذلك ما لم يسم فاعله نحو سير بزيد"
(148)
392 هـ

المحتسب الجزء الأول
15- بناء الفعل للمفعول
"... ثم أنهم لم يرضوا له بهذه المنزلة [المفعول به] حتى صاغوا الفعل له وبنوه على أنّه مخصوص به، وألغوا ذكر الفاعل مُظهرا أو مُضمرا فقالوا ض3رب عمرو فاطّرح ذكر الفاعل البتة ... وأسندوا بعض الأفعال إلى المفعول دون الفاعل البتة ... فإذا أثبتّ بهذا كلّه قوة عنايتهم بالفضلة حتى ألغوا حديث الفاعل معهما وبنوا الفعل لمفعوله فقالوا ضُرب زيد  حسُن قوله تعالى "وَعُلِّمَ آَدَمُ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا"
(345)
471 هـ
الجرجاني
المقتصد في شرح الإيضاح
16- البناء للمفعول
"الضرب الثاني الي هو غير المتعدّي ... لا يكون فيه البناء للمفعول لأنّ حقيقة ذلك أن تختزل الفاعل وتضع المفعول موضعه"
(345)
471 هـ


17- فعل بُني للمفعول به
"وكلّ فعل بُني للمفعول به ضُمّ الصدر منه"
(529)

الزمخشري
المفصل في النحو
18- الفعل المبني للمفعول

19- فعل ما لم يسم فاعله
"الفعل المبني للمفعول هو ما استغن عن فاعله فأقيم المفعول مقامه وأُسنِد إليه معدولا عن صيغة فَعَل إلى فُعل ويسمّى فعل ما لم يسم فاعله"
(116)

ابن يعيش
شرح المفصل، المجلّد الثاني
المجلّد السابع
19- فعل ما لم يسم فاعله

20- المفعول الذي لم يسم فاعله
"اعلم أنّ المفعول الذي لم يسم فاعله يجري مجرى الفاعل في أنّه بني على فعل صيغ له على طريقة فُعل كما يُبنى الفاعل على فعل صيغ له على طريقة فَعلَ ويجعل الفعل حديثا عنه كما كان حديثا عن الفاعل في أنّه يصحّ به وبفعله الفائدة ويحسن السكوت على الفاعل ويصاغ لمن وقع منه ويقال له فعل ما لم يسم فاعله"
(69)
643 هـ
ابن الحاجب
الكافية[4]
19- فعل ما لم يسم فاعله
فعل ما لم يسم فاعله هو ما حذف فاعله

646هـ
الاستراباذي رضي الدين
شرح الرضي على الكافية ج4
19- فعل ما لم يسم فاعله

21- فعل المفعول الذي لم يسمّ فاعله

22- المبني للمعول
"فعل ما لم يسم فاعله أي فعل المفعول الذي لم يسمّ فاعله وإنّما أضيف إلى المفعول لأنّه بُني له ... وإنّما أختير للمبني للمفعول هذا الوزن الثقيل دون المبني للفاعل لكونه أقل استعمالا منه"
(128)
684 هـ
الاستراباذي ركن الدين
الوافية في شرح الكافية
23- مفعول ما لم يسم فاعله

20- المفعول الذي لم يسم فاعله
"وقوله مفعول ما لم يسم فاعله[5]كل مفعول حُذف فاعله وأقيم هو مقامه وشرطه أن يعين صيغة الفعل إلى فُعل أو يُفعل ... أعلم أنّه ... ذكر المفعول الذي لم يسم فاعله لأنّه كما ذكر تعريف الفاعل لم يدخل فيه مفعول ما لم يسم فاعله. ويجب إفراده بالذكر لأنّه من المرفوعات


ابن هشام
الجامع الصغير في النحو
24-النائب عن الفاعل
"باب النائب عن الفاعل، يُحذف الفاعل للجهل به أو لغرض لفظي أو معنوي فينوب عنه في أحكامه كلّها مفعول به ..."
(79)
761 هـ

مغني اللبيب
24- النائب عن الفاعل
"يجوز في نحو "أخوه" من قولك: زيد ضُرب في الدار أخوه، أن يكون فاعلا بالظرف لاعتماده على ذي الحال وهو ضمير زيد المقدّر في ضُرب وأن يكون نائبا عن فاعل ضُرب على تقديره خاليا من الضمير"
(262)
911 هـ
السيوطي
همع الهوامع
25- نائب الفاعل
"قد يترك الفاعل لغرض لفظي أو معنوي كالعلم به .. أو الجهل به ... أو تعظيم ... أو تحقير ... أو خوف منه ... أو خوف عليه ... فينوب عنه المفعول به"
(262)
911 هـ
الشنقيطي
الدرر اللوامع على همع الهوامع
25- نائب الفاعل
"شواهد على نائب الفاعل"
(292)
1331 هـ

III- ضبط السمات المحددة لمفهوم البناء للمفعول عند النحاة
   نلاحظ من خلال الجدول أعلاه تعدد المصطلحات وتداخلها نظرا إلى ما يكتنف الظاهرة المدروسة من التباس يعود إلى تداخلها مع بعض الظواهر اللغوية الأخرى. وسنحاول في هذا المجال توضيح الأسس التي انبنى عليها المصطلح في الآثار المذكورة مع العلم انّ بعض النحاة استعمل أكثر من مصطلح.
1- المصطلح عند سيبويه
   نلاحظ أنّ تسمية الظاهرة المدروسة عند سيبويه مرتبطة بالإعراب والعمل. ويتضح ذلك من استعماله لمفهوم التعدية "المفعول الذي لم يتعدّ إليه فعل فاعل ولم يتعدّه فعله إلى مفعول آخر". ويعني ذلك عملية الوسم الإعرابي أي وصول عمل الفعل إلى متعلّقاته. فالمفعول في ضُرب زيد مكانه شاغر إذ "لم يتعد إليه فعل فاعل" باعتبار أن الفاعل "الأصلي" حلّ محلّه "الفاعل النحوي" الذي كان مفعول به إن اعتبرنا أن البناء للفاعل أصل تولّد من البناء للمفعول مع انّ سيبويه لم يتوجه هذا التوجه حسب اطلاعنا لأنه ساوى بين البنيتين، نستنتج ذلك من قوله: "والفاعل والمفعول في ذلك سواء" ويقصد "المفعول المرفوع" باعتبار أنّ البناء للمفعول ضرب من اللزومية "يُرفع المفعول كما يرفع الفاعل.
أ- ضُرب زيد
ب- ضرب زيد
فلا فرق عند سيبويه بين الفاعلين ولكن الدراسات اللسانية الحديثة تفرّق بينهما من الناحية الدلالية وإن كانا متشابهين من الناحية الإعرابية "الشكلية" فزيد في (1) متحمل Patient وفي (2) منفذ Agent. وما نلاحظه في المصطلح السيبويهي أنه جاء واصفا للظاهرة باعتبار أنّ الفعل فيها لم يتعد فاعله "الشكلي" إلى محل المفعولية ولذلك جعل سيبويه الظاهرة المدروسة موازية للبناء للفاعل.
   استعمل سيبويه مصطلحين اثنين للتعبير عن الظاهرة المدروسة احدهما: "المفعول الذي لم يتعد إليه فعل فاعل ولم يتعده فعله إلى مفعول" ركز فيه على "ارتقاء" المفعول به إلى حيّز الفاعلية "لأنك لم تشغل الفعل بغيره"، لأن المتكلّم أراد ذلك قصدا. فالمفعول "المرفوع" هو البؤرة Focus أو المعلومة الجديدة New.  والمصطلح الثاني "فعل المفعول الذي لا يتعداه فعله" هو مصطلح يختلف عن السابق من جهة زاوية النظر إذ تمّ التركيز هذه المرة على الفعل أو فعل المفعول لتمييزه عن فعل الفاعل في طلبه لموضوعاته Arguments. ففعل المفعول أقلّ متعلّقات من فعل الفاعل مع الإشارة إلى أنّ الأوّل ليس مشتقا من الثاني، وإنّما يمثل بنية مستقلة حسب سيبويه. إذ ليس بمجرّد طلب فعل المفعول لمتعلّق فاعل (مفعول معنى) يجعل منه بنية فرعية على بنية البناء للمعلوم لأنّ الفاعل الحقيقي هو المتكلم[6] إذ هو الذي يوزع الأدوار الدلالية أو الوظائف النحوية. وربما يعود استعمال المصطلحين المذكورين إلى أن التغيير في الظاهرة المدروسة يُصيب الفعل كما يُصيب الاسم. فقد بدا سيبويه بالاسم أي المعرب /المعمول في المصطلح الاوّل ثم عاد إلى الفعل العامل دون أن يجعل الظاهرة تحول لظاهرة أخرى كما أشرنا.
   لقد جاء المصطلح عند سيبويه في شكل مركب، ونعني بذلك أنه يصف عملية إجراء الظاهرة نتيجة إلى أنّ الرجل يعرّف بالظاهرة النحوية بما أنه من الرواد في الدراسات النحوية بالنسبة إلى المتاح نحويا؛ ولذلك جاء المصطلح عنده غامضا، ونصه طويل إلى حدّ الاسهاب.
2- المبرّد
    جاء المصطلح الرابع أقل حدّة من المصطلحات الثلاثة الأول الموجودة عند سيبويه، وإن كان لا يختلف كثيرا عنهما من حيث عدم توفر مقياس الدقة في الاصطلاح ونقصد بذلك التعبير عن الظاهرة المدروسة بأقل ما يمكن. ومن الواضح ان المصطلح (4) يختلف عن سابقيه من حيث المنطلقات أو من حيث السمات النحوية الدلالية. فالمبرّد في تفسيره للظاهرة لجأ إلى الأصول النحوية. فالأصل في الجملة الفعلية أن تتكون من فعل وفاعل ... إلخ، يتضمّن كلّ السمات التركيبية، الصرفية، الدلالية ... التي تخوّل له أن يكون فاعلا طرازيا يحمل دور المنفذ ولذلك أشار المبرد إلى أنّه "لابدّ لكل فعل من فاعل" إذ انه عندما يتم حذف الفاعل يختل التركيب في البنية باعتبار غياب دور المنفذية، ولذلك كان لزاما أن يرتقي المفعول به إلى حيّز الفاعل؛ على أنّ ما أشار إليه سيبويه لا يفهم منه دلالة حذف الفاعل وحلول المفعول محله خلافا للمبرّد بما أنّ الأوّل ركّز على مفهوم التعدية واللزوم في الفعل المبني للمفعول بعمله الرفع في حيّز النصب كم بينا.
3- ابن السراج
   نجد عند ابن السراج تواتر أربع مصطلحات وهي (5، 6، 7، 8)، إذ يحدد (5، 7) مفهوم الإخفاء أو الحجب أو الزوال ، ويحدد (6، 8) صيغة الفعل من حيث البناء وما يترتب عن ذلك من ترك للفاعل ورفع للمفعول الحال محله. وما يلفت الانتباه أنه يبني الفعل تارة للمجهول وهو هنا يقصد الفاعل المحذوف وتارة يبنيه للمفعول الذي اكتسب سمة الفاعلية. ولم يذكر ابن السراج المعاني التي يخفى الفاعل بطلبها، وربما يعود ذلك إلى اهتمامه بمتعلّقات الفعل Valance من حيث الاختزال، "فإن كان الفعل يتعدى إلى مفعول واحد ... أزلت الفاعل ... فصار المفعول يقوم مقام الفاعل وبقي الكلام بغير اسم منصوب لأنّ الذي كان منصوبا قد ارتفع" (ابن السراج (د، ت)، ج1: 78). وعلى هذا الأساس يمكن اعتبار ابن السراج ممن يدرجون الظاهرة المدروسة في حيز الفرعية لبناء أصلي؛ مع أننا لم نجده في موضع من مواضع الباب قد استعمل مفاهيم توحي بأصلية البنية فعل، فاعل، مفعول به؛ وفرعية فعل، نائب فاعل بصورة واضحة. ولكن عملية رفع المنصوب واختزال الجملة التي تحدث عنها نعتبرها مؤشرا دالا على عملية التحويل.
   لم يذكر ابن السراج في كتاب الموجز إلاّ المصطلح (5) ولكنه أضاف نوعا من التحديد للظاهرة، إذ اختزلها في نوع من الأفعال الخاصّة لأنّها "بُني فعل خُصّ" بها ولا يقصد هنا الأفعال الملازمة للبناء للمفعول وإنّما يذهب إلى الخصوصيات الصرفية التركيبية أو الصرفية الإعرابية للصيغة التي جُعلت لهذه الافعال باعتبار أنّ صيغة فُعلَ مشتقة أو مولّدة من صيغة فَعَل وهنا يتأكّد معنى التحويل. ولكن يمكن ان نذهب مذهبا معاكسا إذا ما أوّلنا تلك الميزة التي يكاد ينفرد بها ابن السراج وهي اعتباره "المفعول الذي لم يسمّ فاعله" رابع الاسماء المرفوعة والتي هي المبتدأ والخبر والفاعل. فسيبويه قد اعتبر أنّ "المفعول الذي لا يتعدّاه فعله ..." بمثابة الفاعل في تعلّق الفعل به أو إسناده له باعتبار أنّ "الفاعل والمفعول في ذلك سواء يُرفع المفعول كما يرفع الفاعل لأنّك لم تشغل الفعل بغيره" أي أنه لا يضيف مرفوعا جديدا. أما ابن السراج فقد أضاف مرفوعا رابعا لأنّه "بني فعل خُصّ به" أي أنّ صيغة فُعل وغيرها من صيغ البناء للمفعول خاصة بهذا النوع من المرفوعات، وبالتالي يصبح عند ابن السرّاج نوعان من الفاعلين: "فاعل طرازي" و"فاعل بديل" في ظاهرة البناء للمفعول. وبذلك لا يكون البناء للمفعول صيغة تحويلية نظرا إلى أنّه ضرب آخر من اللزومية يستعمله المتكلّم في مقامات معينة.
4- الزجاجي
   أول ملاحظة نوردها حول مصطلحي الزجاجي (11)، (12) أنّ سياق الكلام جاء في "باب القول في الإعراب لما دخل في الكلام". ثم أنّ الزجاجي تساءل عن الغرض من الإعراب أو فائدته "ما الذي دعا إليه واحتيج إليه من أجله وهذا يخوّل لنا القول إنّ مصطلح "ما لم يسم فاعله" مرتبط بالإعراب والعمل بما أنّ الإعراب يكشف عن السمات النحوية غير الكامنة في الدلالة المعجمية للأسماء؛ لأنّ معاني الفاعلية والمفعولية والإضافة معاني مجردة تعتور الاسم في الإجراء نظرا لوقوعه في حيّز الرفع أو النصب أو الجر الموسومة بعلامات الإعراب أو ما ينوب عنها من صرافم إعرابية وتصريفية. فالرفع في الجملة الفعلية يجعل الاسم فاعلا، والنصب يجعله مفعولا. ولكن هذا المفعول قد يحلّ محلّ الفاعل فيتغيّر أوّل الفعل لذلك، ويختفي دور المنفذ فيرتقي الدور الدلالي "متحمل" محله نظرا إلى مبدأ "سلمية الأدوار الدلالية" التي بينها الفاسي الفهري (1986: 85-91). ويبقى محل المفعولية شاغرا لأنّ الاسم الذي كان يملؤه يتسم بالسمات الشكلية للفاعل دون سماته الدلالية، إذ هو [- منفذ] لأنه يحمل سمة [+متحمل] التي كان يتسم بها في محل المفعولية. ولكن اقترابه من حيّز العامل (الفعل) أدخله في حيّز الفاعلية أو جعله يكتسب درجة من درجات الفاعلية، أو النيابة عنها حسب المصطلحات النحوية. ولذلك يمكن أن نعتبر أن مصطلح الزجاجي قد وقع التركيز فيه على عملية إخفاء الفاعل الحقيقي أي القائم بالفعل باعتبار أنّ العملية تحويل أو اشتقاق من تركيب أصلي هو البناء للفاعل. ويتضح ذلك من قول الزجاجي "وانّ المفعول قد ناب منابه". وقد اعتبر الزجاجي بناء على ذلك أنّ الجملة
ضرب زيد عمرا
بُني فيها الفعل للفاعل موضحا أن رفع زيد دليل "على أنّ الفعل له" كما اعتبر أنّ رفع زيد في
ضُرب زيد
دلالة على أنّ هذه الصيغة صيغة "ما لم يسم فاعله" التي تقتضي تغيير أوّ الفعل وتغيير المحلاّت الإعرابية للمتعلّقات بحذف المتمم الذي سيحلّ محل الفاعل.
5- الفارسي
   ركّز أبو علي الفارسي في المصطلح الذي استعمله وهو المصطلح رقم (14) في ترتيبنا للمصطلحات التي أطلقها النحاة على الظاهرة المدروسة أي "الفعل المبني للمفعول به"، ركز على الفعل، حاصرا الظاهرة في المفعول به. وذلك ما يوافق دور المحور أو المتحمل بما أنه يحصر الظاهرة في الفعل المتعدي وهو عنده "ما نصب مفعولا به" (المقتصد في شرح الإيضاح: 346-347) دون الفعل اللازم باعتباره "لا يتعدّى" (ن. م، ن. ص) إلى مفعول به إلاّ إذا تمت تعديته بالهمزة أو بالباء أو بالتضعيف (ن. م، ن. ص)، مع أنّ مفهوم التعدية كان أوسع عند سيبويه، إذ يعتبر أنّ الفعل اللازم يتعدّى إلى المفاعيل الأخرى غير المفعول به بلا واسطة مثله مثل الفعل المتعدّي. فالظاهرة من جهة ظاهرة إعرابية باعتبارها اختزالا لدور دلالي هو دور المنفذ. وهي من جهة أخرى ظاهرة صرفية إعرابية لما يطرأ على الفعل من زوائد أو صرافم تتصل به مباشرة، كالهمزة والتضعيف أو تتصل به بصورة غير مباشرة كالباء أو ما يسمى بحروف التعدية الموصلة لعمل الفعل إلى متمم تسمه إعرابيا. فالفارسي ركّز إذن من خلال المصطلح الذي استعمله على مفهوم العاملية أي العامل في الجملة وهو الفعل. فإن بُني للفاعل تطلّب فاعلا حقيقيا بغضّ النظر عن فاعل "مات" وما يشبهه من الأفعال، وإن بُني للمفعول به تطلّب فاعلا هو مفعول به في المعنى لأنّ صيغة الفعل المبني للمفعول "تنتقي" الوحدة المعجمية التي تتوفر فيها سمات الفاعل والمفعول.
6- ابن جنّي
  بدأ المصطلح مع الزجاجي يرتقي إلى درجة من الوضوح والاختزال تمكن الدارس من الحديث عن "تكريس المصطلح" وذلك ما وجدناه عند ابن جنّي في (11)، (15). وقد تميز ابن جني في دراسة "ما لم يسم فاعله" بحديثه عن الإسناد وعن البناء. فالإسناد عنده هو لزوم الظاهرة حالة ما كإسناد الفعل للفاعل أو إسناد الخبر للمبتدأ، يقول: "وأسندوا بعض الأفعال إلى المفعول دون الفاعل البتة". أي أنّ بعض الأفعال لازمت البناء للمفعول إلى حدّ أنّه يتعذّر بناؤها للفاعل والعكس بالعكس. ولذلك فالإسناد مرتبط بالتركيب باعتبار أنّه نوع من النظم Merge والفحص Checking بما أنّ المفعول المرفوع يحمل سمات الفاعل والمفعول به باعتباره مرفوعا، ويحسن السكوت عنده من جهة. ثم أنّه يحمل سمة متحمّل وإن ارتقى إلى حيّز الفاعلية. وأما البناء فهو ألصق بمرفولوجية الوحدة المعجمية لأنّ اسم الحدث إذا أُريد به الفاعل يُبنى بناء معينا على وزن فَعَل أو فَعِل أو فَعُل[7] ... وإذا أريد به المفعول أي البناء للمفعول أو المجهول بُني بناء مخصوصا على وزن فُعِل[8]. ولكن البنائين يتحكم فيهما التركيب. وذلك ما يحدد مركزية الإعراب في المفهوم الواسع للنحو، وبالتالي فما يميّز الإسناد من البناء حسب ابن جنّي هو أنّ الأخير ملازمة الشيء لحالة واحدة في التركيب كملازمة بعض الأفعال للبناء للمفعول. أمّا الإسناد فهو علاقة تربط بين عامل ومعمول من أجل تأدية معنى نحويا أو هو تغير لصيغة الفعل حسب المقام. ولكن ما يميز ابن جنّي عن النحاة قبله في دراسة هذه الظاهرة من زاوية إعرابية تركيبية هو أن البناء للمفعول هو غاية تمكن الفضلة. يتأكّد ذلك بالرجوع إلى "المحتسب" عند شرح ابن جنّي للآية "وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا" البقرة/31، حيث بين سلمية أو تدرج المفعول به (المحتسب: 65_66) من كونه عنصرا فضلة إلى اعتباره "ربّ الجملة". ويمكن أن نوجز هذه السلمية في المراحل التالية:
1- الأصل في وضع المفعول أن يكون فضلة، نحو: ضرب زيد عمرا.
    ولكنه حسب السلمية القصدية للمتكلم قد يتخذ دلالات حسب التبئير القصدي للمتكلم من حيث 
2- العناية به: تقديمه على الفاعل، نحو: ضرب عمرا زيد
3- ازدياد العناية به كتقديمه على الفعل "الناصبه"، نحو: عمرا ضرب زيد
4- تظاهر ازدياد العناية به وبلوغه ربوبية الجملة وخروجه عن حيز الفضلة، نحو: عمرو ضربه زيد.
5ـ ازدياد تظاهر ازدياد العناية به كحذف الضمير العائد Anaphore عليه، نحو: عمرو ضرب زيد
6- التمكن والحلول محل الفاعل: بناء الفعل له
وتعتبر الدرجة السادسة هي المرتبة القصوى في السلمية حسب ابن جنّي.
   نستنتج من هذا التدرج للمفعول به من المتممية إلى العمادة أهمية المفعول به في عملية الإخبار أو التواصل حسب المقام إلى درجة صياغة الفعل له، بل أكثر من ذلك، ظهور نوع من الأفعال ملازمة للبناء للمفعول حسب دراسة الأستاذ الهيشري. وبما أنّ المفعول به وظيفة نحوية أو دور دلالي قد يرتقي إلى أعلى مرتبة في السلمية الدلالية فإنّ الظاهرة المدروسة قد اشتق لها اسم من وظيفة المفعول. وبما أنّ بنية الفعل تتغيّر نظرا لذلك لإقصاء دور دلالي أو لامتصاص الإعراب كما يرى Chomsky نقلا عن الفاسي الفهري، فإنّ الظاهرة المدروسة ظاهرة تركيبية إعرابية لأنّ الفعل بُني للمفعول ولأنّ "المفعول المرفوع" يقتضي ذلك أو لأنّ المتكلّم قصد تجاوز الفاعل الحقيقي إلى الفاعل غير الحقيقي، أو إلى المفعول المعنوي. وإذا كان المفعول به يرتقي إلى هذه الدرجة فيُرفع للدلالة على الفاعلية، فإنّ الفاعل يتم إنزاله إلى حيّز المتمم في البناء الجعلي. فينصب للدلالة على المفعولية نحو:
أخرج زيد عمرا
             مفعول الجعل الذي هو في الأصل فاعل.
وإذا كان الفاعل عند حذفه يقدّر بالضمير نحو:
جاء يضحك
فإنّ المفعول به قد يحذف لفظا ويراد معنى وتقديرا كما يرى ابن يعيش (شرح المفصل، ج2: 39) نحو قوله تعالى: "الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ" (البقرة/275)
              "اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ"
فحضور الضمير العائد أو حذفه دلالة على طلب التخفيف. ولذلك فحذف الضمير العائد المنصوب على المفعولية ليس دليلا على عدم أهمية المفعول به وإنّما يدل على سعي المتكلّم نحو المجهود الأدنى، تماما كاختزال الفاعل في بعض المقامات.
   وقد يحذف المفعول به مع أنّ الفعل يطلبه فيصبح "نسيا منسيا" تمامل كحذف الفاعل في عملية البناء للمفعول. فقد أشار ابن يعيش في باب حذف المفعول إلى أنّ المفعول به قد يحذف إلى درجة أن يشبه فعله بـ"جنس الأفعال غير المتعدية كما يُنسى الفاعل عند بناء الفعل للمفعول" (ابن يعيش، ج2: 39). فالفاعل والمفعول به إذن "يتشابهان" في العمليات الثلاثة المذكورة والتي يوضحها الجدول التالي:
الفاعل
المفعول به
ينزل إلى المفعولية
يرتقي إلى الفاعلية
يُحذف لفظا ويُراد معنى
يُحذف لفظا ويُراد معنى
يُصبح بعد الحذف نسيا منسيا بعد نيابة المفعول عنه
يُحذف ويصبح نسيا منسيا

ولذلك يمكن إعادة النظر في مسألة انتماء الفاعل للنواة الإسنادية وجعل المفعول في درجة ثانية. لأنّه إذا كان لا يوجد فعل بلا فاعل فإنّه لا يوجد فعل دون مفعول أو متأثر أو متحمّل. فزيد في:
أ- جاء زيد
مفعول به في المعنى لأنّ "زيدا" هو مفعول حدث المجيء بما أنّه هو الذي وقع الفعل به ولأنّ هذا الصنف من الجمل يدمج الفاعل والمفعول في حيّز واحد باعتبار أن القائم بالحدث والواقع به الحدث ذات واحدة. ولذلك يستغنى عن ذكر المفعول به من الناحية الإعرابية بما أن الوحدة المعجمية المرفوعة التي تم بها المعنى شكليا تعتبر فاعلا حسب النظرية النحوية. وبالتالي يتم الاستغناء هنا عن المفعول به في هذا الصنف الموسوم باللزومية، على غرار الاستغناء عنه في البناء للمفعول. وإذا ما أردنا صياغة الجملة صياغة جديدة من أجل توضيح الظاهرة الإعرابية الدلالية المذكورة وهي أنه لا فعل إلاّ بمفعول على غرار "لا يكون فعل ولا فاعل" حسب عبارة المبرد، يمكن أن نذكر
أ1- * جاء  زيدا
وهي جملة غير مقبولة نحويا على الرغم من أن المنطق النحوي يقبل جملا من صنف
ب- مات زيدٌ
التي يمكن إعادة كتابتها نحويا بـ
ب1* مات  زيدا
لو لم توسم المفعولية بالفضلة في النحو العربي. فقد قارن بعض النحاة بين (ب) و(ج)
ج- ضٌرب زيد
باعتبار أنّ الفاعل في الجملتين مفعول به في المعنى وذلك ينطبق على (أ) بما أنّ زيدا فيها حامل لضمير المفعولية إذ أنه قام بالفعل ووقع به كما أشرنا. ولكن هذه المفاعيل رُفعت ونابت الفاعل لمقتضيات نحوية تضع الفاعل في العمدة. من ذلك أن ابن السراج جعل المفعول الذي لم يسم فاعله رابع الأسماء المرفوعة (ابن السراج، الأصول، ج1: 76)
7- الجرجاني
   يتضح من خلال المفهوم 16 الذي استعمله الجرجاني أنّ الظاهرة قد بدأت تتضح لا من جهة التفسير فقط وإنما من الناحية الاصطلاحية باعتبار أنّ ما كان يعبّر عنه سيبويه وبعض نحاة الرعيل الأول بجملة تفسّر الظاهر أصبح يعبر عنه بدلالة الوظيفية "نائب الفاعل" وإن كان قد استعمل مصطحا آخر أكثر تعقيدا من (16) وهو المصطلح رقم (17) الذي أراد من خلاله تحديد صنف المفعول الذي يبنى للمفعول في الأصل. على الرغم من تخلّيه عن قيد المفعول به في البناء للمفعول الذي استعمله الفارسي باعتبار أنّ أغلب المفاعيل يمكن أن ترتقي إلى درجة الفاعلية (ونقصد المفعول المطلق والمفعول فيه والمفعول لأجله) نظرا  لمقتضيات الخطاب في سلمية الأدوار الدلالية. فكلما حذف دور دلالي ارتقى الدور الذي يليه في السلمية.
   يعتبر الجرجاني أنّ المفعول المعنوي أو ما يسمى اليوم بالفاعل المنطقي لا فرق بينه وبين الفاعل الحقيقي في تسمية كل منهما بالفاعل تماما كما وجدنا عند سيبويه وقد يعود ذلك إلى حكم الجوار للفعل ولذلك قارن بين (ب) و(ج). إذ تساءل عن سبب وسم زيد في (ب) بوظيفة فاعل وعدم تحقق ذلك في (ج) مع العلم أن زيدا في المثالين مفعول في المعنى. ويمكن أن نضيف جملا أخرى إلى مقارنة الجرجاني المذكورة، يعتبر الاسم المرفوع الواقع بعد الفعل فيها فاعلا لفظا مفعولا محلا. مثل:
انكسر الكأسُ
أمطرت السماءُ
توقفت السيارةُ
فكل هذه الأمثلة يقع فيها تضمن المفعول في الفاعل بحجة انّ الفعل والفاعل يكونان النواة الإسنادية لشدة تعلّق الفعل بالفاعل أو العامل بالمعمول إلى درجة يستحيل فيها وجود الفعل دون الفاعل. ولكن على الرغم من هذه الهيمنة فالمفعول به حاضر لأنّ الفعل يطلبه في البنية المجرّدة وإن غاب في الإنجاز باعتبار أنّ بعض المحلات الإعرابية الدلالية قد تستغني نحويا عن التهجية نتيجة الاستعمال اللغوي.
8- الزمخشري[9]
   ركز الزمخشري في التعبير عن الظاهرة المدروسة في المصطلحين 18، 19على الفعل كما نجد عند الفارسي، وعلى تراتبية أو سلمية البناء للمفعول باعتبار أنّه لا يبنى الفعل لأحد المفاعيل الأخرى بوجود المفعول به باعتبارأنه "متى ظُفر به في الكلام فممتنع أن يسند إلى غيره" (المفصل في النحو1840: 116) بما أنّ الظاهرة المدروسة بناء للمفعول به في الأصل أو المفعول به المتعدى إليه بغير حرف" حسب الزمخشري ولكن عند حذفه من الكلام في الجمل يمكن أن ينوبه أحد المفاعيل الأخرى التي يطلبها الفعل أصالة سواء أكان متعديا أم لازما[10]. وعلى هذا الأساس يظهر الاختلاف بين البناء للمفعول والظواهر التركيبية الأخرى التي تتصدرها أفعال المطاوعة أو الإنعكاس، حسب النظرية النحوية القديمة بما أنّنا عندما نقول:
د- كسر الولدُ الكأس أمس
ج- انكسر الكأسُ أمس
لا يمكن أن نقول:
اُنكُسر أمس
خلافا للنظرية اللسانية التي تفسّر نحوية (ج) بحال اشتراك المتكلم والمخاطب في الخبر أو المعلومة القديمة باعتبار أن الفعل ينتقي الوحدات المعجمية التي تتفق فيها السمات النحوية والدلالية المؤدية لمعنى الانكسار،  يتأكد ذلك في (هـ) حيث يمكن أن نقول
هـ - جيء أمس
و- جيء يوم الجمعة
ولذلك أحال الأستاذ أحمد إبراهيم إلى إدخال هذه الظواهر في نظريته التي وسمها بالحجب occulte التي جمعت ظواهر عديدة منها البناء للمفعول، وصيغ المطاوعة وغيرها. أما إذا كان البناء للمفعول بناء للمفعول  فقط،  فعندئذٍ لا يمكن أن نميّز بينه وبين صييغ المطاوعة وبعض التراكيب التي لا يصرّح فيها بالفاعل لأنّ البناء للمفعول ستتعدّد أشكاله.
- البناء للفعول في الأفعال الملازمة للبناء للمفعول
- البناء للمفعول عن طريق تغيير أوّل الفعل (فُعِل)
- البناء للمفعول مع عدم تغيير الفعل مثل:
ز- مات زيد
ح- فرح زيد
بما أنّ زيدا مفعول به في المعنى. ومن هنا لا يختلف عن زيد في (ج) أعلاه. وهذا ما جعل الزمخشري يركز على عملية بناء الفعل كما أشرنا. وبذلك يكون قد أثار بالمصطلح الذي استعمل، وهو المصطلح رقم (19) بالأساس، الجانب الصرفي التركيبي في الظاهرة المدروسة. فبناء الفعل للمفعول تتولد عنه عمليات عديدة منها.
-          بناء الفعل على صيغة وُصفت بأنّها غير عادية
-         اختزال الفاعل أو حذفه أو تركه حسب تعبير النحاة
-         ارتقاء المفعول به
-         حذف المفعول به
-         اختزال الجملة
ولذلك اختلف النحاة من الناحية الاصطلاحية انطلاقا من التركيز على أحد عناصر الجملة. فمنهم من اعتبر المسألة بناء للفعل، ومنهم من اعتبرها بناء للمفعول. ومنهم من اعتبرها حذفا للفاعل، مع العلم أننا لا نفرّق بين البناء للمفعول وحذف الفاعل لأنّ حذف الفاعل من مقتضيات البناء..... يتبع ....




[1] - كتب الشروح تذكر المصطلح المستعمل في الكتاب المشروح والمصطلح المستعمل من قبل الشارح.
[2] - لم نرجع إلى "الإيضاح العضدي" باعتبار أنّ السياق الذي ورد فيه المصطلح المدروس موجود في شرح الجرجاني.
[3] - أخذت هذا الكلام من كتاب "المقتصد في شرح الإيضاح" للجرجاني (عبد القاهر) ص334، المجلد الأول بما أنه شرح لكتاب الفارسي المذكور أو لكتابيه كما جاء في تقديم المحقق لكتاب "المقتصد في شرح الإيضاح" المذكور يقول المحقق في الصفحة 13 من التقديم "وجدت في كتاب عبد القاهر "المقتصد" الذي شرح فيه كتابي أبي ... "الإيضاح في النحو" و"التكملة في الصرف" خير معين لي".
[4] - لم أرجع إلى كتاب الكافية وإنّما استقيت المصطلح من شرح الرضي على الكافية.
[5] - نلاحظ تضاربا في نسبة تسمية المصطلح لابن الحاجب من قبل الشارحين وهما الاستراباذي رضي الدين والاستراباذي ركن الين فالأول نسب إلى ابن الحاجب مصطلح فعل ما لم يسم فاعله، والثاني نسب إليه مفعول ما لم يسم فاعله وهما تسميتان مختلفتان كما سيأتي، إذ لا نعرف إن كان ابن الحاجب استعمل المصطلحين أم لا.
[6] - أنظر (شرح الرضي على الكافية، ج1: 57، 63)
[7] - اكتفينا بوزن الفعل الثلاثي
[8] - اسم الحدث (بناء للفاعل، بناء للمفعول).
[9] - تميّز الزمخشري بعملية تعريف المصطلح نتيجة للتراكم المعرفي للظاهرة المدروسة وذلك ما انعكس على قصر تسمية المصطلح عنده.
[10] - ما يسمى بالفعل اللازم قد يطلب أكثر من متعلّق ولذلك بُني للمفعول باعتبار أنّ المفاعيل الأخرى كالمفعول المطلق والمفعول فيه للزمان والمكان والمفعول لأجله يحلون محل الفاعل مع انعدام المفعول به وذلك ما يوافق البناء للمبهم Impersonnel passif في اللغات الهندية الأوروبة.

هناك تعليقان (2):

  1. أزال المؤلف هذا التعليق.

    ردحذف
  2. أعتذر لعدم ظهور رمز المجموعة الخالية في الفقرة السادسة المتعلقة بابن جني في المثالين أ1، وب1، ربما لأن المدونة لا يمكنها تحقيق ذلك.

    ردحذف


الحقوق محفوظة لمدونة الحروف ©2013-2014 | اتصل بنا | الخصوصية