9 - ابن يعيش
لقد ركّز ابن يعيش في المصطلح 19، 20 على
مسألة الاستغناء عن الفاعل أو حذفه نظرا إلى مسائل مقامية ولم يذكر المصطلح 20
إلاّ من باب ذكر المصطلح الموجود في المؤلف المشروح، باعتبار أنّ كتب الشروح تحافظ
أو تنقل لنا المفاهيم والمصطلحات الواردة في الأصل. ويدلنا على ذلك قول ابن يعيش
"... المفعول الذي لم يسمّ فاعله ... يقال له فعل ما لم يسم فاعله".
فابن يعيش ذكر مصطلح "المفعول الذي لم يسم فاعله" وهي تسمية طويلة
تذكرنا بابن السراج. تجعلنا نطرح من جديد مشكلة تطور المصطلح في النحو العربي.
فنحن هنا في القرن السابع للهجرة مع ابن يعيش، والظاهرة المدروسة رغم وضوحها عند
النحاة لم تختزل في مصطلح مفرد، أو مركب يتسم بسمة الإفراد؛ في حين نجد الجرجاني
في القرن الخامس الهجري يعبر عن الظاهرة بعبارة أقصر "البناء للمفعول".
وبالتالي يبدو أنّ النحاة رغم اطلاعهم على دراسات بعضهم البعض ينتقون مصطلحات تعود
إلى القرون الأولى تاركين التهذيب الذي يطرأ على المصطلحات من حين لآخر. ويبدو أنّ
لكتب الشروح دور كبير في هذه المسألة باعتبار أن الشارح قد لا يحور تسمية المصطلح.
ولذلك كثيرا ما نلجأ إلى تحليل المصطلح عند النحوي كي نقف على خلفياته النظرية في
وضع التسمية.
10- ابن الحاجب
نلاحظ أنّ المصطلح (19) الذي ظهر عند الزجاجي
وابن جنّي أكثر تهذيبا منه عند الزمخشري وابن يعيش وابن الحاجب والاستراباذي رضي
الدين والاستراباذي ركن الدين المتأخرين عنهما أي الفترة الممتدة بين القرنين
الرابع والسابع للهجرة قد تمّ التركيز فيه على حجب الفاعل باعتبار أنّ ظاهرة
البناء للمفعول تعتور الفاعل لما ينتاب الفعل من تحوير في أوله وقبل آخره إذا كان
ثلاثيا صحيحا، علما بأنّ تحديد صيغة الفعل ليست من مشمولات بحثنا وإنما تطور
المصطلح من خلال تاريخية تداوله بين النحاة العرب. ويبدو أنّ هذا المصطلح هو
الأكثر تداولا على الأقل بين النحاة الذين اعتمدناهم في هذه الدراسة على الرغم من
أنه أي المصطلح يتراوح بين "فعل ما لم يسم فاعله" و"ما لم يسم
فاعله"، تكرر 11 مرة في الجدول أعلاه، يليه مصلح البناء للمفعول ذكر 6 مرات
بصيغ مختلفة، ويليه مصطلح نائب الفاعل الذي ذكر 4 مرات في الجدول بصيغتين
مختلفتين.
ولا نقصد من خلال هذه الدراسة أن هذه العملية
الإحصائية قارة باعتبار أننا لم نقم بجرد للمصطلع عند جميع النحاة وإنما فقط
بالنسبة إلى من اعتمدنا عليهم خاصة أنّ معظم النحاة لم يفرد للمبني للمفعول
بابا خاصا به، وإذا أفرده يأتي موجزا.
لقد ركّز ابن
الحاجب على ظاهرة الاختزال التي تمثلت عنده في حذف الفاعل مع أنّ بعض النحاة يعتبر
أنّ المفعول هو العنصر المحذوف بما أنّه حلّ محلّ الفاعل عند حذفه أو زواله.
11- الإستراباذي
رضي الدين:
استعمل الإستراباذي 3 مصطلحات (19)، (21)، (22)
فالأول والثاني وجدناهما عند الزجاجي وابن جنّي والزمخشري وابن يعيش وابن الحاجب
والإستراباذي ركن الدين. ولكن الاستراباذي قد ذكر مصطلح آخر هو (22) "المبني
للمفعول" الذي اشترك فيه مع الفارسي وابن جني والجرجاني والزمخشري. فالمصطلح
21 يذكرنا بمصطلح (2) من مصطلحات سيبويه وهو " المفعول الذي لم يتعدّه فعله ولم يتعدّ إليه
فعل فاعل" أو "المفعول الذي تعداه فعله إلى مفعول" إلاّ أنّ سيبويه
استعمل مفهوم التعدية والاستراباذي استعمل مفهوم إخفاء الفاعل "فعل المفعول
الذي لم يسمّ فاعله". وما ثبت في المصطلحين هو "المفعول" باعتبار
أنّ الظاهرة تعتري المفعول الذي يرتقي إلى موضع الفاعلية حاملا معه قرائن دلالية
تبقيه حاملا لبعض سمات المفعولية. إلا أنّ الإستراباذي ذكر مصطلحا آخر وهو مصطلح
(22) "المبني للمفعول" الذي استعمله الجرجاني قبله تحت تسمية
"البناء للمفعول" على الرغم من أنّ نحاة قبل الرضي مثل ابن الحاجب وابن
يعيش والزمخشري وبعد الجرجاني استعملوا مفاهيم أخرى مثل "الفعل المبني
للمفعول"، "فعل ما لم يسم فاعله" المفعول الذي لم يسم
فاعله".
12 الإستراباذي
ركن الدين:
نلاحظ أنّ ركن الدين قد ركّز في (20)، (23)
على المفعول باعتباره الوظيفة التي تتم فيها عمليتي الإختزال[1]
والتحوير، إذ يكون مفعول ما لم يسم فاعله متحمّلا. أما الفاعل فيكون منفّذا أو
أداة في البناء للفاعل. يتفق ركن الدين في (20) مع ابن السراج وابن يعيش ويبين
الجدول التالي ما ذكرنا:
الإستراباذي
|
مفعول ما لم
يسم فاعله
|
ابن السراج
|
المفعول الذي لم
يسم من فعل به
|
ابن يعيش
|
المفعول الذي لم
يسم فاعله
|
نلاحظ أنّ هذا
المصطلح لم يتغيّر إلاّ تغيرا طفيفا لا يكاد يذكر لأنّه لا يغير المعنى المقصود من
المصطلح على الرغم من انّ الحيّز الزمني الذي اتخذه هذا المصطلح يزيد على 3 قرون.
فابن السراج ينتمي إلى القرن الرابع وركن الدين من أصحاب القرن السابع. وقد اتفق
الإستراباذي ركن الدين وابن السراج في اعتبار أنّ مفعول ما لم يسم فاعله من
المرفوعات كما أشرنا، إلاّ أنّ الإستراباذي لم يحدد مرتبته كما فعل ابن السراج.
13 ابن هشام:
نلاحظ في المصطلح (24) ظهور مفهوم النيابة وإن
كان ظهوره عرضيا عند بعض النحاة كالزجاجي في قوله: "وانّ المفعول قد ناب
منابه" دون أن يعتبر مفهوم النيابة مصطلحا يعبّر به عن الظاهرة المدروسة. وقد
سمى ابن هشام الظاهرة المدروسة من جهة أخرى بمصطلح "النائب عن الفاعل"
وهو يقصد هنا المفعول المرفوع. فبعد أن كان المصطلح موسوما بحجب الفاعل أو تركه أو
حذفه وبانعدام دور المفنذية فيه. أصبح الوسم بالحيّز لأنّ النائب ارتقى من حيّز
النصب (المفعولية) إلى حيّز الرفع (الفاعلية) وهما وظيفتان او معنيان مختلفان؛
لكنهما يشتركا في بعض الدلالات النحوية اشتراكا شبه تبادلي. فالمفعول به يرتقي إلى
درجة الفاعلية والفاعل ينزل إلى خيّز المفعولية في البناء الجعلي.
فارتقاء الأول يختزل الجملة، ونزول الثاني
يكثفها باعتبار أنّه يضيف دورا دلاليا جديدا. وكلّ ذلك يتحكّم فيه العامل الأساسي
الذي هو المتكلّم. وبالطبع لمقام القول دور أساسي في إجراء الكلام.
نلاحظ أن ابن هشام يحصر الظاهر المدروسة في
المفعول به الذي ينوب الفاعل في أحكامه (كالرفع أو تمام الكلام). إذ "ينوب
عنه في أحكامه كلها ...". وهذا ما يخالف رأي بعض النحاة الذين أسموا الظاهرة
بالبناء للمفعول دون ان يحدّدوا صنف المفعول الذي ينوب الفاعل؛ وإن كانوا قد
حدّدوا سلّمية هذه النيابة. ومن الواضح في هذا المصطلح أنّ النحاة منذ ابن هشام
حسب المدونة تخلّوا عن عملية بناء الفعل وعملية عدم تسمية الفاعل. وأصبح التركيب
على البنية المنجزة. فزيد في (ج)
ج- ضُرِب زيد
يعتبر نائب فاعل
لا لأنّ الجملة مشتقة من جملة أخرى بل لأنّ "زيدا" في المعنى هو الذي
وقع الفعل به إلا أنه ملأ حيّز الفاعلية المعهود للفاعل المنفّذ او الفاعل
الطرازي. ولكن ابن هشام قد اعتبر أنّ البنية تحويلة وذلك ما نستشفه من المصطلح
الذي استعمله وإن كان قد بلغ الصيغة التي استقرّ فيها إلى اليوم.
14 السيوطي
حافظ السيوطي على مفهوم النيابة بتبسيط
المفهوم من الناحية التركيبية إذ جاء المصطلح (25) في مركب إضافي. والمركب الإضافي
حكمه حكم المفرد لتعلّق جزئيه. وهذا هو ابسط مصطلح استعمل للتعبير عن الظاهرة.
وربما يعود ذلك إلى كثرة استعماله. وقد حاول السيوطي استخراج السمات الدلالية التي
تتولّد عنها هذه النيابة[2]
.
ويبدو أنّ كلّ المعاني التي استخرجها السيوطي
خاضعة لقصد المتكلّم الذي هو العامل الأساسي كما اشرنا. ولكن النحاة أهملوه حسب
الرّضي الإستراباذي، إذ المتكلّم هو الذي يقوم بتوزيع المعاني النحوية في الكلام
حسب اختيارات يقتضيها المقام، فيحذف دورا أو يضيفه، أو يرقي المنصوب إلى حيّز
المرفوع بمراعات الاصول النحوية او ما يسمى بالمبادئ والمقاييس في اللسانيات
الحديثة.
15 الشنقيطي
حافظ الشنقيطي على
المصطلح الذي استعمله السيوطي بما أنّه "شرح همع الهوامع"، ولكنه في
شرحه لم ينحو نحو الشروح بل ذهب إلى تصنيف الظاهرة انطلاقا من الأمثلة الواردة في
الكتاب المشروح إذ يضع المثال ويعلّق عليه، ويبيّن هوية العنصر النائب، هل هو
المفعول به أو غيره من المفاعيل، أم هل أنّ النيابة حصلت مع ظهور المفعول به أم
لا.
هذا التعدد المصطلحي الدال على عدم ثبوت مصطلح
قار لهذه الظاهرة يعود إلى اختلاف زوايا النظر في جملة البناء للمفعول إذ أن
التغيير يصيب كلّ البنية إذا ما اعتبرنا أنّ البناء للمفعول تحويل للبناء للفاعل
كما يفهم من سعي بعض النحاة؛ أو أنّه لا يوجد أيّ تغيير باعتبار أن الظاهرة أصلية
لها خصائصها في التعدية واللزوم. ويمكن إرجاع هذين التوجهين إلى موقف النحاة من
الفاعل في الجملة المبنية للمفعول. فالإتجاه الأول يفهم من أصحابه أنّ البناء
للفاعل أصل، لظهور الفاعل الحقيقي. وأنّ البناء للمفعول فرع بما أنّ المفعول به
يحلّ محلّ الفاعل المحذوف. وآية ذلك حديثهم عن حذف الفاعل بدرجات متفاوتة، تختلف
من نحوي إلى آخر. إذ يذهب المبرّد وابن الحاجب وابن هشام إلى أنّ البناء للمفعول
يتمّ بحذف الفاعل وما يترتّب عن ذلك من تغيير في البنية الأصلية التي هي البناء
للفاعل. وقد جاراهم في ذلك الزمخشري وابن يعيش من جهة تفسيرهما للظاهرة بالاستغناء
عن الفاعل. وذهب الزجاجي والشنقيطي في نفس الاتجاه في مفهوم نائب الفاعل. واستعمل
الجرجاني مفهوم "اختزال الفاعل" والسيوطي مفهوم "الترك". فكلّ
هذه التفسيرات أو المواقف التي فسّر من خلالها هؤلاء النحاة ما يطرأ على الفاعل في
الجملة المبنية للمفعول تجعل من الظاهرة المدروسة بنية محوّلة.
وأمّا الاتجاه الثاني والذي هو الأوّل من الناحية
التاريخية يذهب أصحابه إلى أنّ البناء للمفعول بنية مستقلّة. وقد ذهبوا زيادة على
ذلك إلى المساواة بين الفاعل والمفعول المرفوع معنى، أو إلى جعل المفعول المرفوع
معنى رابع المرفوعات. فذهب سيبويه إلى أنّ رفع المفعول به يعود إلى "إفراغك
الفعل له" أي انّ الفعل أسند للمفعول عن قصد. وذهب ابن السّرّاج والإستراباذي
ركن الدين إلى أنّ المفعول الذي لم يسم فاعله هو رابع الأسماء المرفوعة. وذهب ابن
يعيش إلى أنّه يجري مجرى الفاعل ... ولذلك فأصحاب هذا الاتجاه يعتبرون أنّ البناء
للمفعول بنية أصلية يختارها المتكلّم للتعبير عن مقاصده حسب مقامات معينة، وله
خصوصياته ومميّزاته التي قد يشبه فيها البناء للفاعل كاللزوم والتعدية مثلا، كما
يبين سيبويه في الجدول أعلاه.
IV- المسار الاصطلاحي
لمفهوم البناء للمفعول في النظرية النحوية
إذا ما نظرنا نظرة شاملة للمسار الاصطلاحي
للبناء للمفعول، نجد أنّه يدور حول محورين أساسيين، تحددّهما الثنائية عامل Operateur/معمول Argument. فبعض النحاة وقع
تركيزه على العامل الذي هو الفعل وبعضهم وقع
تركيزه على المعمول أي الفاعل المحذوف والمفعول الذي حلّ محلّه. في حين أنّ
بعض النحاة قد جمع الثنائية عامل/معمول. فالنحاة الذين ركّزوا على العامل ندرجهم
تحت المصطلح "فعل المفعول الذي لم يسم فاعله" و"بناء الفعل
للمفعول"، و"فعل بُني للمفعول به"، و"فعل ما لم يسم
فاعله" ...، وأصحاب التوجه الثاني نجعلهم تحت مصطلح "المفعول الذي لم يتعدّه
فعله ولم يتعدّه فعله إلى مفعول"، و"المفعول الذي تعداه فعله إلى
مفعول"، و"مفعول ما لم يسم فاعله"، و"المفعول الذي لم يسم
فاعله". وأصحاب التوجه الثالث تحت مفهوم "ما لم يسم فاعله". ويوضح
الجدول التالي ما نذهب إليه.
نقطة التركيز في التسمية
|
المصطلح
|
المؤلّف
|
الفعل
|
-فعل المفعول الذي لا يتعداه فعله
-الفعل المبني للمفعول به
-الفعل المبني للمفعول
-فعل ما لم يسم فاعله
.............................
-فعل المفعول الذي لم يسم فاعله
-البناء للمفعول
-المبني للمفعول
|
سيبويه
الفارسي
الزمخشري
ابن يعيش
ابن الحاجب
الإستراباذي رضي الدين
الجرجاني
الإستراباذي ركن الدين
|
المفعول
|
- المفعول الذي لم يتعدّه فعله ولم يتعدّه
فعله إلى مفعول -المفعول
الذي تعداه فعله إلى مفعول
-المفعول الذي لا يذكر فاعله
-المفعول الذي لم يسم من فعل به
-المفعول الذي لم يسم فاعله
-مفعول ما لم يسم فاعله
-النائب عن الفاعل
-نائب الفاعل
.................
|
سيبويه
..............
المبرد
ابن السراج
ابن يعيش
الإستراباذي ركن الدين
ابن هشام
السيوطي
الشنقيطي
|
التركيب (الفعل ومفعوله المرفوع)
|
ما لم يسم فاعله
....................
|
الزجاجي
ابن جني
|
نلاحظ أنّ كلّ المفاهيم المذكورة تشترك في عملية
أساسية هي عملية إخفاء الفاعل أو حجبه. وقد بيّنا في ما سبق تباين مواقف النحاة من
الفاعل، واعتبرنا مواقفهم منه رائزا لأصلية البناء للمفعول او فرعيته. ونشير إلى
أنّ المصطلحات أعلاه تخضع لعمليتين أساسيتين وهما:
-
تصريف صيغة الفعل تصريفا خاصا.
-
تقليص متعلّقات الفعل بظهور نوع خاص من
المرفوعات أو من المنصوبات المرفوعة.
فالعملية الأولى
صرفية تركيبية، والثانية إعرابية دلالية. تتمثل الأولى في اشتقاق الفعل من الحدث
أو اسم الحدث لمقتضيات يتطلّبها التركيب أو مقاصد المتكلّم دون أن تكون فُعِل
تقليب لفَعَل. ولذلك فالجملة
ط- قُتِل زيد
قد لا تقتضي بنية
سابقة عليها بما أنّ زيدا مرفوع على الفاعلية بما أنّ الفعل أسند له. لأنها لا
تختلف دلاليا عن مات زيد.
وأمّا العملية الثانية تقوم على اختزال متعلّقي
الفعل في حيّز إعرابي واحد. ولذلك نجد النحاة يتحدثون عن "المفعول
المرفوع". وإذا ما حاولنا تفسير ذلك نرجع حذف الفاعل إلى إسناد الفعل
للمفعول، كما أشرنا. والمقصود بحذف الفاعل عند النحاة هو إلغاء تهجية Spell
out الفاعل باعتبار أنّ محلّ الفاعل
محفوظ. ولذلك فليس هناك حذف ولا حجب؛ بما أنّ الرأس الفعلي "ينتقي" وحدة
معجمية تكون لها سمات تتفق مع سماته.
تثير المفاهيم المذكورة عدة مشاكل منها: ما
نجده في بعض الأفعال التي تستعمل دون فاعلها الحقيقي مثل: مات، فرح، بكى، حزن،
وغيرها من الأفعال التي تطلب من الناحية التركيبية متعلقين مع أنّها في البنية
الإنجازية تقتصر على متعلّق واحد يكون فاعلا لفظا مفعولا معنى أو محلا لأنّه هو
الذي وقع الفعل به. فالجملة (ي) على سبيل المثال
ي- فرِح زيد
فاعلها الحقيقي
ليس "زيدا" باعتبار أنّ زيدا في المعنى هو موضوع الفرح لأنّ مؤشر الفرح
باد عليه نظرا للملاحظة العينية. وكأنّ الفرح شيء يُخلع على زيد نتيجة مؤثر خارجي
كالنجاح في الامتحان مثلا. وذلك الشيء الخفي هو فاعل الفرح الذي تستجيب له نفسية
زيد. وربّما يعود التخلّي عن الفاعل الحقيقي إلى كثرة الاستعمال أو إلى اعتماد
ظاهر السبب لاختفاء المسبب. ولذلك غاب على المتكلم فاعل الفرح أو مصدره أو تناساه.
فرفع زيد على أنّه فاعل، تماما كرفع زيد في (ك)
ك- مات زيدٌ
ولذلك فمصطلح
"ما لم يسم فاعله" يمكن أن يجري على هذه الجمل المذكورة. وبالتالي فإنّ
كثرة المصطلحات التي استعملت من قبل النحاة قد تعود إلى مشكل البحث عن مصطلح جامع
مانع للظاهرة باعتبار أنّ الجرجاني قد تساءل لماذا لم يسم زيد في (ج) فاعلا على
غرار زيد في (ك). إلاّ اننا نعيد التساؤل من زاوية أخرى تتمثل في : لماذا لا يكون
زيد في (ك)، و(ي) نائب فاعل باعتبار أنّ زيدا في المثالين ليس هو الفاعل الحقيقي،
هذا إذا ما اعتبرنا أنّ البناء للمفعول لا يقتضي صياغة الفعل صياغة خاصة، كصيغة
فُعِل مثلا لانّ زيد في (ك) يمكن أن يُعتبر "نائب فاعل". وفي هذا النطاق
حاول Payne في كتابه « Describing Morphosyntax » (Payne: 2004-206) أن يبيّن انطلاقا من عدة لغات أصناف من
البناء للمفعول Passive وهي:
-
البناء للمفعول المعجمي Lexical
passive
-
البناء للمفعول الصرفي Morphological passive
-
البناء للمفعول التحليلي Analytic
passive
-
البناء الشخصي Personal
passive
-
البناء للمبهم Impersonal passive
فهل يعتبر تصنيف Payne للبناء للمفعول حلا لمعضلة المصطلح في النحو العربي؟
خاصة أنّ الدراسة النحوية في الظاهرة المدروسة قد تحدّثت عما يشبه ما ذكره Payne. إلاّ أنّها لم تصنف هذا التصنيف إذا ما استثنينا
الفاسي الفهري.
V- الخاتمة
إنّ قضية المصطلح في ظاهرة البناء للمفعول
قضية شائكة تكتنف عدة مشاكل تركها النحاة غامضة. من ذلك:
-
الاختلاف في التسمية إذ وصلت المصطلحات
المستعملة من قبل النحاة إلى 25 مصطلحا حسب الكتب التي اعتمدنا، مع أنّ الاختلاف
في التسمية يرجع إلى عنصر الفاعل للاختلاف الضمني حول أصلية جملة البناء للمفعول
أو فرعيتها. نرجح أصليتها باعتبار مقاصد المتكلّم في الخطاب من جهة، وباعتبار أسباب
حذف الفاعل التي حددها السيوطي. ثم أنّ الدراسات اللسانية الحديثة وصلت مع الأستاذ
الهيشري إلى خمس مائة وأربعة وثمانين (584) فعلا، وهي نسبة لا بأس بها من الأفعال
الملازمة للبناء للمفعول مما يوحي بالدارس إلى تبني أصلية البناء للمفعول.
-
نائب الفاعل مفعول مرفوع ام فاعل يشتمل على
سمات المفعولية؟. فإذا ما اعتبرناه فاعلا سنصنّفه في صنف آخر من أنواع الفاعلين
يختلف عن الفاعل التقليدي لأنه "مفعول فاعل"؛ إذ يجمع بين سمات الفاعلية
والمفعولية كما بينا. فهو فاعل أو يشبه الفاعل في كلّ أحكامه النحوية عند سيبويه
والجرجاني وغيرهما. وهو مرفوع رابع عند ابن السراج والإستراباذي ركن الدين.
-
مصطلح ما لم يسم فاعله قد يضم ما يسمى بصيغ
المطاوعة والانعكاس، وبعض الأفعال التي يأتي فاعلها مفعول به في المعنى باعتبار
أنّ فاعلها الحقيقي محذوف. بما أنّ النحاة تحدّثوا عن حذف الفاعل. ولذلك فالظاهرة
المدروسة تطلب مصطلحا أوضح يحدّد الظاهرة تحديدا يميّزها عن كلّ ظواهر حجب الفاعل.
المصادر والمراجع
I- المصادر
ابن جني 1994، المحتسب في تبيين وجوه شواذ
القرآن والإيضاح عنها، ج2، تحقيق على النجدي، عبد الحليم النجار، عبد الفتاح
إسماعيل شلبي، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، القاهرة.
ابن السراج، الأصول في النحو، ج1.
ابن هشام جمال الدين الأنصاري 1980، الجامع
الكبير في النحو، تحقيق وتعليق أحمد محمد الهرمي، في سلسلة التراث اللغوي عدد3،
مكتبة الخانجي.
ابن يعيش (د، ت) شرح المفصل، ج2، تحقيق عالم
الفكر، بيروت.
الإستراباذي، 1996 شرح الرضي على الكافية،
تصحيح وتعليق: يوسف حسن عمر، منشورات جامعة قاريونس، ليبيا.
الإستراباذي الحسن بن محمد العلوي 1983،
الوافية في شرح الكافية، تحقيق دار الرشيد للنشر، العراق.
الزمخشري، أبو ابقاسم محمود بن عمر 1840،
المفصل في النحو Edit J.P Broch
السيوطي 1997، همع الهوامع في شرح جمع
الجوامع، ج1، تحقيق أحمد شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت.
سيبويه 1988، الكتاب، تحقيق عبد السلام محمد
هارون.
الشنقيطي أحمد بم محمد الأمين 2001، الدرر اللوامع على همع الهوامع في شرح جمع
الجوامع، ج1، شرح وتحقيق عبد العالم سالم مكرم، عالم الكتاب.
II-المراجع
1- المراجع بالعربية
عاشور المنصف، 1999، ظاهرة الاسم في التركيب
النحوي،: بحث في مقولة الاسمية بين التمام والنقصان، منشورات كلية الآداب بمنوبة،
تونس.
الفاسي الفهري عبد القادر 1986، المعجم
العربي نماذج تحليلية جديدة، في سلسلة المعرفة الثانية، دار توبغال للنشر، الدار
البضاء.
البناء الموازي،
نظرية في بناء الكلمة وبناء الجملة، دار توبغال للنشر، الدار البيضاء.
قريرة توفيق 2003، المصطلح النحوي وتفكير
النحاة وبناء الجملة، كلية الآداب بمنوبة، دار محد علي، تونس.
المهيري عبد القادر 1989، إشكالية التاريخ
لنشأة المصطلح النحوي، في مجلة المعجمية العدد (5، 6)، 89-90، بيت الحكمة، تونس.
الهيشري الشاذلي والمنصف عاشور 2005، قضايا
في الأبنية الإعرابية والدلالية، منشورات كلية الآداب والفنون والانسانيات
منوبةـتونس.
الواعر مازن 1988، قضايا أساسية في علم
اللسانيات، الأطلس للدراسات والترجمة والنشر، دمشق.
2- المراجع باللغة الأجنبية
Chomsky N 1987, La nouvelle syntaxe, trad Picabia Lelia, présenté et commenté par Alin Rouvret, Seuil, Paris.
Payne 1997, Describing morphosyntax, A guide for field linguistics, cambridge.
CSeuil.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق